السيد عبد الله الشبر

29

حق اليقين في معرفة أصول الدين

عظمته وجلاله ، إذ كل ذرة فإنها تنادي بلسان حالها أنه ليس وجودها بنفسها ولا حركتها بذاتها ، وإنما تحتاج إلى موجد ومحرك لها ، ويشهد بذلك : أولا : تركيب أعضائنا وائتلاف عظامنا ولحومنا وأعصابنا ونبات شعورنا وتشكل أطرافنا وسائر أجزائنا الظاهرة والباطنة ، فإنا نعلم أنها لم تأتلف بنفسها كما نعلم أن يد الكاتب لم تتحرك بنفسها ، ولكن لما لم يبق في الوجود مدرك ومحسوس ومعقول وحاضر وغائب إلا وهو شاهد ومعرف فعظم ظهوره فابتهرت العقول ودهشت عن إدراكه فإذا ما يقصر عن فهمه عقولنا له سببان : الأول : خفاؤه في نفسه وغموضه وذلك لا يخفى مثاله . الثاني : ما يتناهى وضوحه . وهذا كما أن الخفاش يبصر في الليل ولا يبصر في النهار لا لخفاء النهار واستتاره ولكن لشدة ظهوره ، فإن بصر الخفاش ضعيف يبهره نور الشمس إذا أشرق ، فتكون قوة ظهوره مع ضعف بصره سبيلا لامتناع أبصاره ، فلا يرى شيئا إلا إذا امتزج الظلام بالضوء وضعف ظهوره . فكذلك عقولنا ضعيفة وجمال الحضرة الإلهية في نهاية الإشراق والاستنارة وفي غاية الاستغراق والشمول حتى لا يشذ عن ظهوره ذرة من ملكوت السماوات والأرض فصار ظهوره سبب خفائه ، فسبحان من احتجب بإشراق نوره ، واختفى عن الأبصار والبصائر بظهوره . ولا تتعجب من إخفاء ذلك بسبب الظهور فإن الأشياء تستبان بأضدادها وما عم وجوده حتى لا ضد له عسر إدراكه . فلو اختلفت الأشياء فدل بعضها دون البعض أدرك التفرقة على قرب ، ولما اشتركت في الدلالة على نسق واحد أشكل الأمر ومثاله نور الشمس المشرق على الأرض ، فإنا نعلم أنه عرض من الأعراض يحدث في الأرض ويزول عند غيبة الشمس ، فلو كانت الشمس دائمة الإشراق لا غروب لها لكنا نظن أن لا هيئة في الأجسام إلا ألوانها وهي السواد والبياض وغيرهما ، فإنا لا نشاهد في الأسود إلا السواد وفي الأبيض إلا البياض فأما الضوء فلا ندركه وحده . ولكن لما غابت الشمس وأظلمت المواضع أدركت تفرقة بين الحالتين ، فعلمنا أن الأجسام كانت قد استضاءت بضوء واتصفت بصفة فارقتها عند الغروب ، فعرفنا وجود النور بعدمه وما كنا نطلع عليه لولا عدمه إلا بعسر شديد ، وذلك لمشاهدتنا الأجسام متشابهة غير مختلفة في الظلام . والنور هذا مع أن النور أظهر المحسوسات إذ به يدرك سائر المحسوسات فما هو